خبر رسمي
خبر مميز
إصلاحات الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش: مسار مؤسسي نحو النزاهة والتحديث
1 / 2
إصلاحات الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش: مسار مؤسسي نحو النزاهة والتحديث
إصلاحات الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش: مسار مؤسسي نحو النزاهة والتحديث
تشكل عملية الإصلاح المؤسسي أحد الركائز الأساسية لبناء دولة حديثة تقوم على مبادئ النزاهة والشفافية وسيادة القانون، وفي هذا السياق، شهدت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش خلال الفترة الماضية سلسلة من الخطوات الإصلاحية الهادفة إلى تطوير بنيتها المؤسسية، ورفع كفاءة كوادرها، وتحديث أدوات عملها، بما يعزز قدرتها على أداء دورها في مكافحة الفساد وترسيخ معايير الحوكمة الرشيدة.وقد اعتمدت الهيئة في مسارها الإصلاحي على مجموعة من المحاور الأساسية شملت تطوير البنية التحتية، وإعادة بناء الكادر البشري، وإطلاق مشروع التحول الرقمي، وإعادة تنظيم الهيكلية الإدارية، ووضع منظومة للتخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى توسيع شبكة الشراكات المؤسسية على المستويين الداخلي والخارجي.أولاً: تطوير البنية التحتيةكان تحديث البنية التحتية من الخطوات الأولى التي عملت عليها الهيئة، حيث جرى تنفيذ أعمال إصلاح وترميم للمقر الرئيسي ومكاتب الهيئة في المحافظات، شملت إعادة تنظيم المكاتب وتحسين بيئة العمل بما يتوافق مع متطلبات العمل المؤسسي الحديث. كما تم تجهيز المباني بالبنية التقنية اللازمة لدعم التحول الرقمي في العمل الرقابي، بما يشمل تجهيزات الشبكات والاتصالات والبنية التقنية الداعمة لأتمتة الإجراءات، ويهدف هذا التحديث إلى توفير بيئة عمل قادرة على استيعاب التطورات التكنولوجية التي أصبحت عنصراً أساسياً في تطوير العمل الحكومي وتعزيز كفاءته.ثانياً: إعادة بناء الكادر البشرييمثل الكادر البشري الركيزة الأساسية لأي عملية إصلاح مؤسسي، ولذلك أولت الهيئة أهمية كبيرة لإعادة تقييم الموارد البشرية العاملة لديها، وقد شملت عملية التقييم اتخاذ إجراءات حازمة بحق من ثبتت علاقتهم بحالات فساد، حيث تم تحييدهم عن العمل، بما يضمن الحفاظ على نزاهة المؤسسة وتعزيز الثقة بدورها الرقابي. في المقابل، كشفت هذه العملية عن وجود نقص ملحوظ في الكوادر نتيجة سنوات طويلة دون رفد الهيئة بعناصر جديدة.الأمر الذي دفعها إلى استقطاب كفاءات علمية متخصصة، ولا سيما من خريجي كليات الحقوق والاقتصاد، نظراً لارتباط تخصصاتهم بطبيعة العمل في مجالات الرقابة والتفتيش. وفي هذا الإطار، أطلقت الهيئة مشروع إنشاء المعهد العالي للرقابة، الذي حاز اعتراف وزارة التعليم العالي ويمنح درجة الماجستير بعد برنامج أكاديمي يمتد لعامين، يتضمن سنة دراسية تشمل أربع عشرة مادة تخصصية، وسنة تدريب عملي ميداني في مجالات الرقابة والتفتيش.ويهدف المعهد إلى إعداد كوادر مؤهلة علمياً وعملياً للعمل في الحقل الرقابي، وبناء جيل جديد من المفتشين القادرين على مواكبة متطلبات العمل المؤسسي الحديث. كما يعمل المعهد على تنفيذ برامج تدريبية مستمرة للكوادر العاملة في الهيئة، مع التركيز على تطوير مهارات استخدام التكنولوجيا والبرامج الحاسوبية الحديثة، بما يواكب متطلبات التحول الرقمي.ثالثاً: التحول الرقمي وأتمتة الإجراءاتيمثل التحول الرقمي أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعمل الهيئة على تنفيذها حالياً، إذ كان العمل الرقابي يعتمد في السابق على الأساليب التقليدية، ما كان يؤدي إلى هدر في الوقت والجهد والموارد. ولمعالجة هذا الواقع، تم إنشاء مديرية متخصصة بالتحول الرقمي، تولت دراسة الإجراءات القائمة وتحليلها بهدف إعادة تصميمها ضمن منظومة إلكترونية متكاملة، وقد أسفر ذلك عن تطوير منصة رقمية تشمل مختلف العمليات والإجراءات المرتبطة بعمل الهيئة.وقد وصلت نسبة أتمتة الإجراءات حتى الآن إلى نحو 80 في المئة من مجمل العمل، وهو ما يسهم في تسريع إنجاز المعاملات، وتقليل التكاليف التشغيلية، وتعزيز الدقة والشفافية في العمل الرقابي، ومن المتوقع أن يتم تطبيق هذه المنظومة في المقر الرئيسي وفروع الهيئة في المحافظات بعد استكمال تدريب الكوادر على استخدامها مع نهاية الشهر السادس من العام الجاري.رابعاً: إعادة بناء الهيكلية التنظيميةضمن مسار الإصلاح المؤسسي، جرت مراجعة للهيكل التنظيمي السابق للهيئة، الذي لم يعد ينسجم مع متطلبات العمل الرقابي الحديث، وقد أفضت هذه المراجعة إلى إعداد هيكل تنظيمي جديد يقوم على تقسيم الهيئة إلى ست قطاعات رئيسية. ويضم كل قطاع عدداً من الإدارات المتقاربة في طبيعة عملها واختصاصاتها، بحيث تتولى متابعة مختلف الوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات العامة والوحدات الإدارية الواقعة ضمن نطاق الرقابة، ويهدف هذا التنظيم إلى تسهيل عمليات المتابعة والإشراف وتعزيز كفاءة الإدارة واتخاذ القرار، بما يرفع من فعالية العمل الرقابي.خامساً: التخطيط الاستراتيجي وتطوير الأداء المؤسسيولضمان استدامة عملية الإصلاح، تم إنشاء مديرية متخصصة للتخطيط والإحصاء تتولى إعداد الخطط الاستراتيجية للهيئة ومتابعة تنفيذها، وقد قامت هذه المديرية بدراسة الواقع المؤسسي والاطلاع على تجارب دولية ناجحة في مجال الرقابة ومكافحة الفساد، إضافة إلى الاستفادة من الدراسات المتخصصة في مجالات الحوكمة والإدارة العامة. وبناء على هذه المعطيات، تم إعداد خطة استراتيجية تتضمن أهدافاً قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، بما يضمن توجيه العمل المؤسسي وفق رؤية واضحة تسهم في تطوير الأداء وتعزيز فعالية الدور الرقابي.سادساً: توسيع الشراكات المؤسسيةانطلاقاً من إدراكها بأن مكافحة الفساد مسؤولية جماعية تتطلب تكامل الجهود بين مختلف المؤسسات، عملت الهيئة على توسيع شبكة الشراكات المؤسسية. فعلى الصعيد الداخلي، تم الدخول في شراكات مؤسسية مع عدد من الجهات الحكومية، من بينها وزارة التعليم العالي لتعزيز البرامج الأكاديمية والتدريبية للمعهد العالي للرقابة، والبنك المركزي في مجال مكافحة غسل الأموال، إضافة إلى شراكات مستقبلية مع وزارة الأوقاف ووزارة التربية والتعليم والثقافة بهدف ترسيخ قيم النزاهة والشفافية وتعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر الفساد.أما على الصعيد الخارجي، فقد شاركت الهيئة في عدد من ورش العمل والمؤتمرات الدولية المتخصصة، ما أتاح لها الاطلاع على التجارب العالمية والاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الفساد، كما يجري حالياً دراسة عدد من هذه المعاهدات تمهيداً للانضمام إليها بما يتوافق مع الإطار القانوني للدولة، بما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات المؤسسية.أخيراً: مسار مستمر نحو الإصلاحإن ما تحقق حتى الآن يشكل خطوة متقدمة في مسار طويل يهدف إلى تطوير العمل الرقابي وبناء منظومة مؤسسية حديثة تعزز النزاهة وترسخ الثقة بالمؤسسات العامة، ولا يخفى أن مسار الإصلاح يواجه تحدياً يتمثل في تراكم الممارسات الفاسدة عبر عقود، وما خلّفته من آثار عميقة في بنية الإدارة العامة. ومع ذلك، فإن الإرادة الجادة للمضي في طريق الإصلاح تمثل دافعاً أساسياً للاستمرار في هذا المسار، إذ إن بناء منظومة رقابية فعالة عملية تراكمية تتطلب الوقت والعمل المنهجي والتعاون بين مختلف المؤسسات، حتى تتجلى نتائجها تدريجياً على أرض الواقع.
التعليقات
أضف تعليقك
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يعلق على هذا الخبر!